الشيخ محمد رشيد رضا

33

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على أفعل إذا أخرجوها إلى الأسماء مثل جمعهم الأحمر والأسود الاحامر والاحامرة والأساود والاساودة ومنه قول الشاعر ان الاحامرة الثلاثة أهلكت * مالي وكنت بهن قدما مولعا وذكر البيت الثاني الذي بين الشاعر فيه الاحامرة وهي اللحم والخمر والزعفران من الطيب وقد اختلفوا في روايته وهو للأعشى والمجرمون أصحاب الجرم أو فاعلو الاجرام وهو ما فيه الفساد والضرر من الاعمال . والية البلد الجامع للناس ويستعمل في التنزيل بمعنى العاصمة في عرف هذا العصر أي المدينة الجامعة التي يقيم فيها زعماء الشعب وأولو امره . وكذا بمعنى الشعب أو الأمة ويعبر عنها أهل هذا العصر بالبلد فيقولون : ثروة البلد ومصلحة البلد - أي الأمة - و : المعاهدات بين البلدين تقتضي كذا - أي بين الأمتين أو الدولتين . « وَجَعَلْنا » متعدية لمفعول واحد عند بعضهم ولمفعولين عند الأكثرين واختلفوا في اعرابها فلخص البيضاوي اشهر الأقوال بقوله : أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل ية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . وجعلنا بمعنى صيرنا ومفعولاه « أَكابِرَ مُجْرِمِيها » على تقديم المفعول الثاني - أو : في كل ية أكابر ، ومجرميها بدل ، ويجوز أن يكون مضافا اليه ان فسر الجعل بالتمكين وافعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الافراد والمطابقة ولذلك يء ( أي في الشواذ ) « أكبر مجرميها » اه ورجح الرازي أن المعنى : جعلنا في كل ية مجرميها أكابر . والمكر صرف المرء غيره عما يريده إلى غيره بضرب من الحيلة في الفعل أو الخلابة في القول ، والأكثر فيه أن يكون الصرف عن الحق إلى الباطل وعن الخير إلى الشر لان الحق والخير قلما يحتاج إلى اخفائهما . بالحيلة والخلابة ونقول في العبرة بالآية بما يناسب حال هذا العصر إن سنة اللّه تعالى في الاجتماع البشري قد مضت بأن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة أو كل ية وبلدة بعث فيها رسول أو مطلقا رؤساء وزعماء مجرمون يمكرون فيها بالرسل ، أو بأن يكون أكابرها المجرمون ماكرين فيها بالرسل في عهدهم ، وبسائر المصلحين من بعدهم . وكذلك شأن أكثر أكابر الأمم والشعوب ولا سيما في الأزمنة التي « تفسير الآن الحكيم » « 5 » « الجزء الثامن »